محمد بن جرير الطبري

105

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قال : ثنا يعلى بن حكيم ، عن يحيى بن أبي كثير أنه قرأها : " ملكين " بكسر اللام . وكأن ابن عباس ويحيي وجها تأويل الكلام إلى أن الشيطان قال لهما : " ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين " من الملوك ، وأنهما تأولا في ذلك قول الله في موضع آخر : قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى قال أبو جعفر : والقراءة التي لا استجيز القراءة في ذلك بغيرها ، القراءة التي عليها قراء الأمصار ، وهي فتح اللام من " ملكين " ، بمعنى : ملكين من الملائكة ؛ لما قد تقدم من بياننا في أن كل ما كان مستفيضا في قراءة الإسلام من القراءة ، فهو الصواب الذي لا يجوز خلافه . القول في تأويل قوله تعالى : وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ يعني جل ثناؤه بقوله : وَقاسَمَهُما وحلف لهما ، كما قال في موضع آخر : تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ بمعنى : تحالفوا بالله ؛ وكما قال خالد بن زهير عم أبي ذويب : وقاسمهما بالله جهدا لأنتم * ألذ من السلوى إذا ما نشورها بمعنى : وحالفهما بالله ؛ وكما قال أعشى بني ثعلبة : رضيعي لبان ثدي أم تقاسما * بأسحهم داج عوض لا نتفرق بمعنى تحالفا . وقوله : إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ أي لممن ينصح لكما في مشورته لكما ، وأمره إياكما بأكل ثمر الشجرة التي نهيتما عن أكل ثمرها وفي خبري إياكما بما أخبركما به من أنكما إن أكلتماه كنتما ملكين ، أو كنتما من الخالدين . كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال ثنا يزيد ، قال ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ فحلف لهما بالله حتى خدعهما ، وقد يخدع المؤمن بالله ، فقال : إني خلقت قبلكما وأنا أعلم منكما ، فاتبعاني أرشدكما . وكان بعض أهل العلم يقول من خادعنا بالله خدعنا . القول في تأويل قوله تعالى : فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ يعني جل ثناؤه بقوله : فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ فخدعهما بغرور ، يقال منه : ما زال فلان يدلي فلانا بغرور ، بمعنى : ما زال يخدعه بغرور ويكلمه بزخرف من القول باطل . فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ يقول : فلما ذاق آدم وحواء ثمر الشجرة ، يقول : طعماه . بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما يقول : انكشفت لهما سوآتهما ، لأن الله أعراهما من الكسوة التي كان كساهما قبل الذنب والخطيئة ، فسلبهما ذلك بالخطيئة التي أخطئا ، أو المعصية التي ركبا . وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ يقول : أقبلا وجعلا يشدان عليهما من ورق الجنة ليواريا سوآتهما . كما : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ قال : جعلا يأخذان من ورق الجنة فيجعلان على سوآتهما . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي بكر ، عن الحسن ، عن أبي بن كعب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كان آدم كأنه نخلة سحوق كثير شعر الرأس ، فلما وقع بالخطيئة بدت له عورته وكان لا يراها ، فانطلق فارا ، فتعرضت له شجرة فحبسته بشعره ، فقال لها : أرسليني ، فقالت : لست بمرسلتك ، فناداه ربه : يا آدم ، أمني تفر ؟ قال : لا ، ولكني استحيتك " . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا سفيان بن